نظرة على اكتساب الصوائت القصيرة والطويلة في العربية

نظرة على اكتساب الصوائت القصيرة والطويلة في العربية

مارس 29, 2019 0 By zaferlababidi

الكاتب: ظافر لبابيدي، جامعة ولاية فلوريدا.

تقسم الأصوات في اللغة العربية إلى صوامت وصوائت حيث تتكون الأولى من كل الأصوات ما عدا الحركات القصيرة والطويلة. وسميت بالصوامت لأن فسيولوجيا إنتاجها تتطلب اعتراض تدفق الهواء الخارج من الرئتين مما يسبب احتكاكا مع أعضاء الكلام فيؤدي إلى اعاقتها وعدم إطلاقها بشكل كامل. أما الصوائت فسميت بذلك لعدم وجود ما يعرقل خروج الهواء اللازم لإنتاجها فتندفع مجهورة خلال الحلق والفم والجوف الأنفي أحيانا دون أن تعترضها أعضاء الكلام. وقد أسقط النحاة تسمية الصوائت على الحركات القصيرة (الفتحة والضمة والكسرة) وعلى حروف المد واللين (الألف والواو والياء).

وبذلك يمكننا القول بأنه يسهل على البشر تمييز الصوائت بسبب وضوحها وخلوها من أي عوائق فسيولوجية تعرقل إنتاجها وجريانها إلى الخارج. كما انها تمتاز بكثرة تكرارها في كل الكلمات، فلا تخلو كلمة من وجودها في كل اللغات الآدمية.

وفي اللغة العربية على وجه التحديد، تلعب الصوائت دورا جوهريا في اشتقاق معاني جديدة لكلمات تشتق من نفس الجذر. فإذا كان الجذر هو الهيكل الأساسي للكلمة، فالصوائت هي اللحم الذي يكسو الوزن مما يكفل إتمام معناه الدلالي. وبالاضافة إلى ذلك، يمتاز نطق الصوائت عن بعضها من خلال موضع اللسان وشكل الشفاه. 

كما يمكننا الآن فهم خصائص الصوائت من خلال رؤيتها في الصور الطيفية أو ما يعرف بالـسبكتروجرام والتي تمكننا من تحديد هوية الأصوات بناء على الاهتزازات التي تحدثها أثناء النطق بها أو رنينها الصوتي الذي يتم قياسه بالهرتز. فكل صوت له مجموعة أرقام تقاس بالهرتز تبين وتحدد هويته الصوتية.

وكغيرها من الأصوات العربية المكتسبة، تمثل الصوائت تحديا لمتعلميها وتعتبر واحدة من أهم الأصوات التي ينبغي على المتعلم إنتاجها بصورة سليمة ليتم فهم حديثه. ويتمثل التحدي على وجه الخصوص في القدرة على ضبط مدى طولها وقصرها. فالصوائت في العربية الفصحى لا تختلف عن بعضها من ناحية قياسات اهتزازاتها الصوتية لكن الصوائت الطويلة عادة ما تكون ضعفي طول الصوائت القصيرة                           (Abdelsalam, Fahmi, Gamal, Hegazy, Kotby, Nabil, and Saleh, 2011).

فعادة لا يتمكن المتعلم من التحكم بطول أو قصر الصوائت مما يسبب مشاكل في انتاج هذه الأصوات وادراكها وفي كثير من الأحيان تستمر هذه المشاكل حتى المراحل المتقدمة من رحلة اكتساب العربية.

في هذه المقالة أسلط الضوء على دراسة أجريت على مجموعة من متعلمي اللغة العربية في احدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية لبحث مدى قدرتهم على إنتاج وإدراك الصوائت الطويلة والقصيرة.

هدف الدراسة

تتمحور الدراسة حول إيجاد إجابة للسؤالين التاليين:

1) هل يستطيع متعلمو العربية إنتاج وإدراك الصوائت الطويلة والقصيرة بدون استخدام خصائص نظامهم الصوتي الأم؟

2) هل تختلف قدرات متعلمي العربية في إنتاج وإدراك الصوائت باختلاف مستوى كفاءتهم اللغوية؟

المشاركون في الدراسة

شاركت ثلاث مجموعات في هذه الدراسة:

1) مجموعة من المتحدثين بالعربية كلغة أولى.

2) مجموعة من متعلمي العربية في المستوى المبتدئ.

3) مجموعة من متعلمي العربية في المستوى المتوسط.

أداة الدراسة

على مستوى الإنتاج، طلب من المجموعات الثلاثة قراءة عدد معين من الجمل التي تحتوي على كلمات بها صوائت طويلة وقصيرة. ثم طلب من مجموعة أُخرى من متحدثي العربية كلغة أولى الحكم على الكلمات من خلال تحديد إن كانت تحتوي على صائت طويل أو قصير.

أما على مستوى الإدراك، طلب الباحث من المجموعات الثلاثة خوض مهمة تمييز أو discrimination task. ففي هذه المهمة يستمع المشارك إلى ثلاثة جمل تحتوي كل منها على ثلاث كلمات. الكلمة الهدف هي الكلمة الثالثة وهي مكونة من مقطعين صوتين. يحتوي المقطع الأول من الكلمة الهدف على صائت طويل أو قصير.  وكان على المشاركين تحديد ما إذا كانت الجملة الاخيرة تشبه الجملة الاولى الأولى أو الثانية. فعلى سبيل المثال، تعرض المشارك للجمل التالية تباعا:

يكتب كلمة مل – يكتب كلمة مال – يكتب كلمة مل. فبناء عليه، ينبغي على المشارك تحديد ما إذا كانت الجملة الثالثة تطابق الجملة الأولى أو الثانية.

نتائج الدراسة

بعد قياس أطوال الصوائت المنتجة في المجموعات المشاركة، أظهرت النتائج قدرة المتعلمين في المجموعتين على إنتاج الصوائت بأطوال متفاوتة. والمثير للاهتمام كان حصول المتعلمين في المستوى المبتدئ على نتائج أعلى من مجموعة المستوى المتوسط من قبل مجموعة التحكيم. هذا يعني أن مجموعة التحكيم خلصت إلى أن نسبة الصوائت المنتجة بشكل سليم من قبل المتعلمين في المستوى المبتدئ كانت أعلى من تلك التي أنتجها المتعلمون في المستوى المتوسط.  

أما على مستوى إدراك الصوائت، أظهرت النتائج قدرة مجموعة المستوى المتوسط على إدراكها بشكل أفضل من مجموعة المستوى المبتدئ.

مناقشة النتائج

في ضوء النتائج يبدو أن المتعلمين في المجموعتين قد تأثروا بـخصائص نظامهم الصوتي الأم ليتمكنوا من إنتاج الصوائت الطويلة والقصيرة. تم التأكد من هذا من خلال فحص خصائص الصوائت المنتجة في صورها الطيفية ومن خلال قياس طولها ومقارنتها بـصوائت الإنكليزية الأمريكية. فبذلك يمكننا القول إن المتعلمين ينتجون صوائت عربية غير مكتملة مصبوغة بصبغة الصوائت الانكليزية. لذلك يتعثر على المستمع تحديدها حتى وإن كان طولها مشابها لطول الصوائت العربية المستهدفة.

أما على مستوى الإدراك، فالنتائج جاءت مماثلة لما قدمته دراسات سابقة عن عدم مطابقته للإنتاج لأسباب منها تطور ملكة الادراك الصوتي بشكل أسرع من ملكة الانتاج الصوتي (Bohn, Flege, and Jang, 1997). كما أن أحد الأسباب الرئيسية الأخرى لهذا الاختلاف بين الإنتاج والإدراك يعود لوجود عوائق تتعلق بالتحكم في زمن حركة أعضاء النطق على مستوى الإنتاج وهو شيء غير أساسي على مستوى الإدراك (de Jong, Hao, and Park, 2009).

تطبيقات تربوية

لعل أحد أهم الأشياء التي ينبغي الخلاص إليها في ظل نتائج هذه الدراسة هي عدم التركيز فقط على فكرة تدريس الصوائت بناء على خاصية طولها أو قصرها. فكما تم الإشارة إلى ذلك أعلاه، الطول أو القصر ليس الخاصية الوحيدة المهمة في إنتاج وإدراك الصوائت العربية. كما أنه من المستحيل فصل تأثير النظام الصوتي الأم من معادلة اكتساب أي لغة ثانية ولكن الفكرة تكمن في تطويع النظام الصوتي الأم لخدمة اكتساب الأصوات في اللغة المكتسبة بشكل أفضل.

ويعد الانغماس في النظام الصوتي المكتسب أحد أهم التوصيات على مستوى الإدراك. فعلى سبيل المثال، من المهم الاستماع إلى عدد كبير من الكلمات التي بها ازدواج لفظي مثل :ثور – ثر, بار – بر ,سير – سر . فيقوم الاستاذ بتسجيل هذه الكلمات في جمل موحدة تختلف فقط في هذه الكلمات ليستطيع الطالب التمييز بينها. وفي المرحلة التالية يطلب من الطالب تسجيل هذه الجمل ليتم عرضها على زملاء آخرين عن طريق أي تطبيق يسمح بهذا التبادل مثل www.flipgrid.com ليستطيع الزملاء الحكم على هذه الكلمات بأنها إما تحتوي على صائت طويل أو قصير. كما يمكن توسيع سياق هذه التمارين من خلال إتاحة الفرصة أمام الطلاب للإستماع إلى إنتاجهم الصوتي والتركيز على ومناقشة الأخطاء الصوتية على مستوى الصوائت. والهدف من وراء هذا النشاط هو توفير الفرصة لهم لتنمية قدرتهم على التحليل على المستوى الصوتي والذي بدوره سوف يؤدي إلى التأثير على قدرتهم على إنتاج الأصوات. كما يمكن أيضا التطرق إلى العلاقة الوطيدة بين الصوائت والأصوات المجاورة لها وتأثيرها عليها. فعلى سبيل المثال، يمكن مناقشة تأثير بعض الأصوات كالصاد والضاد والطاء والظاء على خصائص الصوائت كتفخيمها عند نطقها.  

كما يعد الاستماع إلى الأغاني وغناؤها بشكل فردي ثم جماعي واحدا من الأنشطة المهمة جدا في تنمية ملكة الإدراك وربطها بالإنتاج الصوتي.

فبالاضافة إلى إغناء تجربة الطالب الثقافية، يجبر هذا النشاط الطالب على التركيز على إدراك مخارج الأصوات والتأكيد على ماهيتها (صوائت طويلة أو قصيرة) من خلال النشاط الذي يعتمده الأستاذ في صفه. فعلى سبيل المثال، أعطي هنا مثالا لما يمكن عمله مع الطلاب من خلال هذا النشاط:

  1. يختار الأستاذ أغنية مناسبة تكون أصواتها واضحة ولحنها بطيء نوعا ما خاصة في مراحل الاكتساب الأولى. يمكن أن تكون هذه الأغنية بالفصحى أو بالعامية التي يتبناها الأستاذ أو البرنامج.

  2. يقوم الأستاذ بكتابة كلمات الأغنية كاملة أو يمكنه الحصول عليها من الإنترنت إذا كانت متوفرة.

  3. يقسم الأستاذ الأغنية إلى أجزاء رئيسية معتمدا على نص كلمات الأغنية التي قام بكتابتها ويركز على جزء رئيسي واحد في البداية (الجزء الأول مثلا).

  4. يكتب الأستاذ هذا الجزء مع الحركات القصيرة على ورقة كما يضع معاني الكلمات الجديدة لتساعد الطالب على فهم المقطع.

  5. يطلب الأستاذ من الطلاب العمل في مجموعات على الجزء من خلال قراءته وفهمه. كما يطلب منهم التركيز على نطق الصوائت الطويلة والقصيرة.

  6. خطوة اختيارية: يطلب الأستاذ من الطلاب القيام بغناء المقطع قبل الإستماع إلى الأغنية ويترك لهم حرية نسج اللحن الذي يرونه مناسبا.

  7. مرحلة الإستماع: يستمع الأستاذ مع الطلاب إلى مقطع الأغنية لأول مرة ثم يطلب منهم مناقشة خصائص الصوائت التي استمعوا إليها (هل كانت طويلة أم قصيرة أم تشابه طولها؟).

  8. يعيد الأستاذ الإستماع إلى المقطع ولكن مع وجود كلمات الأغنية على شاشة الصف وتكون الصوائت ملونة بلون مختلف ويطلب منهم تحديد ما إذا كان هناك إطالة زائدة لبعض الصوائت. ويناقش الطلاب الفرق بين نطق هذه الكلمات بوضعها الطبيعي أو من خلال غنائها. كما يمكن للأستاذ أن يكتب الكلمات التي تحتوي على صوائت طويلة تم إطالتها أكثر لغرض الغناء من خلال كتابتها مكررة في الكلمة مثل: لمااا بدااا يتثنى.

  9. مرحلة الإنتاج: يطلب الأستاذ من الطلاب غناء المقطع بعد التدرب عليه ويختار الطلاب أفضل أداء غنائي كنوع من المنافسة.

  10. الواجب: يطلب الأستاذ من الطلاب العمل على أجزاء الأغنية الأخرى في البيت ويسجلوها بصوتهم ليتم سماعها لاحقا في الصف ومناقشة بعضها.   

ومن الأغاني التي أقترح البدء بها أغنيتي لما بدا يتثنى بأداء المغنية لينا شماميان وأغنية كن أنت للمغني حمود الخضر.     

فللأغاني العربية خصائص صوتية تختلف عن الكلام العادي كإطالة الصوائت في بعض مواضع الغناء مما يعطي الطالب فرصة للتعرف على هذا التنوع الصوتي وعدم ربطه بمعادلة رياضية توضح طوله أو قصره.

المراجع  

Abdel Salam M., Fahmi S., Gamal N., Hegazi M., Kotby M. N., Nabil A., & Saleh M. (2011). The Arabic vowel Features and possible clinical applications in communication disorders. Folia Phoniatrica et Logopaedica, 63, 171-177

Bohn, O., Flege, J., & Jang, S. (1997). Efects of experience on non-native speakers’ production and perception of English vowels. Journal of Phonetics, 25, 437-470

De Jong, K, Hao, Y., & Park, H. (2009). Evidence for featural units in the acquisition of speech production skills: Linguistic structure in foreign accent. Journal of Phonetics, 37, 357-373