الدقة اللغوية في إنتاج التراكيب الصرفية والنحوية في اللغة العربية كلغة ثانية: المطابقة بين الفعل والفاعل في الجملة العربية نموذجا

الدقة اللغوية في إنتاج التراكيب الصرفية والنحوية في اللغة العربية كلغة ثانية: المطابقة بين الفعل والفاعل في الجملة العربية نموذجا

ديسمبر 21, 2018 0 By محمود عزَّاز

الكاتب: محمود عزَّاز، جامعة أريزونا

المقدمة

لا شك أنَّ متعلمي اللغات الثانية في كثير من الحالات يواجهون تحديات كثيرة في مراحل التعلم المختلفة، وقد يعود ذلك لما تتسم به بعض هذه اللغات من تعقيدات نحوية وصرفية في أنظمتها. فمؤخرا، لاحظ كثير من الباحثين في سياقات مختلفة أنَّ هناك كثيرا من الأخطاء اللغوية في بعض التراكيب الأساسية (Ferris & Hedgcock, 2014)، وربما تستمر هذه الأخطاء لمراحل متقدمة جدا من التعلم. ورغم أنَّ الأخطاء اللغوية كثيرا ما يَنظر إليها كثيرون على أنها جزء لا يتجزأ من عملية التعلم، إلا أنَّ ظهور هذه الأخطاء بشكل نمطي وغزير قد يؤثر على فهم ما ينتجه الطلاب. كما أن تكرار نمط عام من الأخطاء قد ينتج عنه تحجر (fossilization) هذه الأخطاء، حتى تصير جزءا من نظامهم اللغوي (interlanguage)، مما ينتج عنه صعوبة تصحيحها مع مرور الوقت. ولما لهذا الأمر من أهمية، أكد المجلس الأمريكي لتدريس اللغات الأجنبية (ACTFL) على أهمية الدقة اللغوية في تقييم الكفاءة اللغوية العامة (proficiency) في التعبير الشفهي والمكتوب، فجميعنا نعلم أنَّ دقة لغة المتعلم (accuracy) ومدى فهمها (comprehensibility) صارت إحدى المعايير الأربعة التي يركز عليه المقيمون اليوم.

وقد اختلفت تفسيرات المختصين حول كثرة الأخطاء الشائعة، خاصة في التراكيب الأساسية، في لغة المتعلمين. ففي رأي البعض، ربما يعود هذا لانتشار المدخل التواصلي (communicative approach) في تدريس اللغات الأجنبية منذ سبعينيات القرن الماضي(Renou, 2001)؛ ذلك المدخل الذي اهتم كثيرا بتشجيع الطلاب على التواصل في صفوف تعلم اللغات الثانية، مما دفع المعلمين أن يركزوا بشكل كبير على إيصال المعنى أكثر من تركيزهم على دقة الأشكال اللغوية. وقد عزا آخرون هذه الأخطاء إلى طريقة تقديم التراكيب النحوية والصرفية في الكتب الدراسية والمواد التعليمية التي يدرسها الطلاب، فقد يكون هناك تفاوت بين ما تقدمه الكتب والمواد التعليمية وما نجده من قواعد وتراكيب تظهر في استخدام متحدثي اللغة في الحياة اليومية (انظر عبد العزيز، ٢٠٠٢؛ Ayliff, 2003) . ومن الملاحظ أن نسبة كبيرة من هذه الدراسات قد ركزت على اللغة الإنجليزية واللغات الأوربية، وقد ربطت هذه الدراسات تحسن الدقة اللغوية في هذه التراكيب بأثر استخدام بعض المداخل التدريسية، كتلك التي تركز على الأشكال اللغوية (form-focused instruction, Ellis, 2001). ومن الملاحظ أن ميدان اكتساب اللغة العربية كلغة ثانية مازال في مراحل مبكرة بالمقارنة بغيره من اللغات الأجنبية. فلا تكاد توجد محاولات منظمة لدراسة اكتساب التراكيب النحوية والصرفية مستخدمة مناهج بحثية دقيقة، كما لا نعرف كيف يكتسب الطلاب الذين يتكلمون لغات أخرى تراكيب بعينها في اللغة العربية (انظر Al-Hawary, 2009).

يقدم هذا المقال القصير نتائج دراسة صغيرة من مشروع بحثي أكبر يركز على اكتساب الطلاب في صفوف اللغة العربية كلغة ثانية للمطابقة الكاملة (full agreement) بين الفعل والفاعل في الجملة الاسمية و المطابقة الجزئية (partial agreement)  في الجملة الفعلية. ترصد الدراسة الحالية الفروق في معدلات الدقة في تعلم هذين النمطين من المطابقة في اللغة العربية فقط في المستوى المتقدم، وسوف اجتهد في تقديم تفسير لهذه الفروق. وفي نهاية هذا المقال، سوف أوضح بعض التطبيقات التربوية المختصرة في صفوف اللغة العربية التي من شأنها أن تعين المعلمين على تدريس المطابقة، وسوف أتكلم عن إطار دراسة أخرى صممتها خصيصا لتدريس ما وجدته أعقد في التعلم في صفوف اللغة العربية، ألا وهي المطابقة الجزئية في الجملة الفعلية. وقبل الحديث عن تفاصيل الدراسة التي نحن بصددها، سوف أقوم أولا بعرض مُبسَّط لنوعي المطابقة الكاملة والجزئية في الجملة العربية.

المطابقة بين الفعل والفاعل في الجملة العربية

هناك نوعان أساسيان من الجمل في اللغة العربية: الجملة الاسمية والجملة الفعلية. وكما يبين الاسم، فإن الجملة الاسمية تبدأ بالاسم أو بالأحرى بالفاعل الذي قد يكون اسما أو ضميرا. كما أنها ربما تحتوي أو لا تحتوي على فعل (Alhawary, 2011, pp. 90–102; Ryding, 2005, pp. 57–63). وعندما تحتوي الجملة الاسمية على اسم دلالي (lexical subject) يقوم مقام الفاعل كما في “الطالب” وعلى فعل صريح كما في “يحب” فإن تركيب الجملة يكون بالبدء بالفاعل وبعده الفعل ثم المفعول (إن كان الفعل متعديا)، كما في المثالين في رقم (١).  أما الجملة الفعلية، كما يبين اسمها أيضا، لابد أن تبدأ بالفعل، وعندما يكون الفاعل اسما دلاليا كما في “الطالب” غالبا ما يكون تركيبها كما في المثالين في رقم (٢) إذا كان الفعل متعديا:

 (١) الجملة الاسمية:

(أ) الطالب يحب الأستاذ كثيرا.

(ب) الطالبة تحب الأستاذة كثيرا.

 (٢) الجملة الفعلية:

 (أ) يحب الطالب الأستاذ كثيرا.

(ب) تحب الطالبة الأستاذة كثيرا.

وفي الدراسات اللغوية الوصفية في اللغة العربية، هناك شبه إجماع أنَّ الجملة الفعلية هي الجملة الأساسية في اللغة العربية. ويعود هذا الإجماع إلى كثرة استعمالها في خطابات وسياقات عدة. فمثلا في لغة الإعلام، غالبا ما تظهر الجملة الاسمية فقط في العناوين بينما تُستخدم الجملة الفعلية في سرد كافة تفاصيل الخبر. كما أنها الأكثر استخداما في وصف الأحداث التي تركز على ما وقع وكيف وقع. وإذا نظرنا إلى المثالين السابقين على الجملة الاسمية والفعلية من الناحية التركيبية والصرفية يمكن أن نلاحظ أن هناك مطابقة (agreement) بين الفعل والفاعل من ناحية العدد (number) والنوع (gender). ففي مثالي الجملة الاسمية والجملة الفعلية تطابق الفعل والفاعل في العدد والنوع بصرف النظر عن نوع الجملة؛ فالفاعل المفرد المذكر “الطالب” تطابق مع الفعل “يحب”؛ فطبقا لقواعد اللغة العربية، فإنَّ البادئة وهي الياء تسبق الفعل المضارع إن كان الفاعل مفردا مذكرا غائبا. ونفس الشيء يُقال على الفاعل إن كان اسما مفردا مؤنثا كما في “الطالبة”؛ حيث تطابق شكل الفعل مع الفاعل أيضا من ناحية العدد والنوع، وكان ذلك باستخدام التاء التي تسبق الفعل.

ولكن كما نعلم، فإن النمط السابق من المطابقة بين الفعل والفاعل في نوعي الجملة العربية يختلف إن كان الفاعل اسما دلاليا جمعا، كما في الجملة الاسمية في رقم (٣) والفعلية في رقم (٤):

 (٣) الجملة الاسمية: الطلاب يحبون الأستاذ كثيرا.

 (٤) الجملة الفعلية: يحب الطلاب الأستاذ كثيرا.

ففي حالة الجملة الاسمية، نلحظ المطابقة الكاملة  (full agreement) بين الفعل والفاعل من ناحية العدد والنوع؛ فالفاعل اسم جمع مذكر “الطلاب”، والفعل به بادئة وهي الياء ولاحقة وهي الواو والنون اللتان تدلان على الجمع المذكر. أما في الجملة الفعلية ” يحب الطلاب الأستاذ كثيرا”، فإننا نلحظ هنا نمطا جزئيا من المطابقة (partial agreement) بين الفعل والفاعل؛ فالفاعل كما في الجملة الاسمية كان اسما جمعا مذكرا، لكن الفعل احتفظ بالشكل المفرد المذكر؛ فلم تلحق به اللاحقة التي تدل على الجمع وهي الواو والنون. وبعيدا عن التفسيرات التركيبية المعقدة لهذا النمط من المطابقة (Bahloul & Harbert, 1993; Bolotin, 1995; Mohammad, 1990; Soltan, 2007)، إلا أنَّه لم يحظ بأي اهتمام يُذكر في دراسات اكتساب اللغة العربية كلغة ثانية، فأغلب الدراسات فحصت اكتساب النوع فقط في الجملة الاسمية عندما يكون الفاعل اسما مفردا مذكرا كان أم مؤنثا، كما في “الولد يدرس” “والبنت تدرس” (انظر Al-Hawary, 2009)، وكان الهدف الرئيسي من هذه الدراسات هو معرفة تأثير اللغة الأولى (سواء الإنجليزية أو غيرها من اللغات كالفرنسية) على معدل اكتساب النوع في اللغة العربية.

هدف الدراسة

 ركزت الدراسة الحالية فقط على المقارنة بين اكتساب المطابقة الكاملة (full agreement) في الجملة الاسمية والمطابقة الجزئية (partial agreement) في الجملة الفعلية عندما يكون الفاعل اسما جمعا مذكرا. وطرحت السؤال التالي: “إلى أي حد تختلف مستويات الدقة في إنتاج المطابقة الكلية في الجملة الاسمية والمطابقة الجزئية في الجملة الفعلية لدى عينة من متعلمي اللغة العربية المتقدمين؟” والتركيز على المطابقة الجزئية في الجملة الفعلية يجيب عن أسئلة هامة منها مثلا إيضاح دور تأثير الترتيب في الجملة (word order constraint) على الدقة في إنتاج العدد والنوع ، فقد نفترض جدلا أن المطابقة الجزئية في الجملة الفعلية قد تكون أسهل من المطابقة الكاملة في الجملة الاسمية، وربما يعود ذلك لحقيقة أنَّ الطالب في المطابقة الجزئية يضع بادئة تشير إلى ملمح واحد (a single feature) ألا وهو النوع، وهذا قد يكون أسهل من أن يضع بادئة ولاحقة تميزان ملمحين معا، هما العدد والنوع معا (two features). ولكن في ذات الوقت، يرد آخرون أن المطابقة الكاملة هي في الحقيقة سمة هامة من سمات النظام الصرفي في اللغة العربية، فكما نعلم، يتميز نظام العربية بالاتساق أو التناغم (symmetry) في هذا الصدد، ولا يقتصر الأمر فقط على المطابقة بين الفعل والفاعل، بل قد يمتد الأمر إلى المطابقة بين الأسماء والصفات وبين أسماء الإشارة وما يليها من أسماء، وغير ذلك مما لا يتسع المقام هنا لذكره. وبالتالي فالمطابقة الكاملة تبدو أسهل كثيرا لأنها تتماشى مع النظام الصرفي للعربية في مجمله.

المشاركون في الدراسة

تشكلت عينة الدراسة من مجموعة واحدة من الطلاب المتقدمين من دارسي اللغة العربية كلغة ثانية في إحدى الجامعات الحكومية في الجنوب الغربي في الولايات المتحدة، وكان جميعهم يتحدثون اللغة الإنجليزية كلغة أولى، ولم يكن أي مشارك منهم من أصول عربية، كما أنهم لم يكونوا يتكلمون اللغة العربية كلغة تراثية (heritage language). تكونت المجموعة من أحد عشر طالبا وخمس طالبات، وتراوحت أعمارهم بين الثامنة عشرة والسابعة والثلاثين بمتوسط عمر بلغ ما يقرب الواحد والعشرين عاما. وقبل إجراء الدراسة طلب الباحث من الطلاب تقييم درجة كفاءتهم في اللغة العربية بشكل كلي في استبيان قصير تراوحت فيه درجة الكفاءة من واحد (كفاءة لغوية منخفضة جدا) إلى خمسة (كفاءة لغوية فائقة). وقد قارب متوسط الكفاءة على ثلاثة ونصف. وقد درس كافة أفراد المجموعة اللغة العربية لمدة ثلاث سنوات، فيما يقرب من ستة صفوف، وكانوا وقت إجراء الدراسة على مقربة من إنهاء عامهم الثالث (الصف السادس). وقد درسوا ما يقرب من ثلاث مائة وثمانين ساعة تدريسية. وجميعهم درسوا اللغة العربية من سلسلة “الكتاب في تعلم اللغة العربية” (Brustad et al., 1995) عبر سنوات الدراسة المختلفة. ووقت إجراء الدراسة كانوا قد درسوا حتى الدرس الخامس من الجزء الثالث من الطبعة الثانية من هذه السلسلة.

أداة الدراسة

استخدمت الدراسة الحالية أداة بسيطة في تصميمها لكنها حققت الهدف منها ألا وهو الشكل اللغوي للمطابقة سواء الكاملة في الجملة الاسمية أم الجزئية في الجملة الفعلية. حيث استخدمت الدراسة اختبارا طلب من المشاركين أن يملئوا الفراغات في ثلاثين جملة بعد قراءة كل جملة على حدة، كما كان هناك صورة مع كل جملة. كانت الفراغات في الجمل كلها تشير إلى حدث عادي أو تكراري (habitual frequent events) يقع في الصورة. وقد اشتملت كل جملة على كلمة تبين تلك الأحداث العادية مثل كلمة “دائما” “وعادة” “وأحيانا”. وكان الفاعل في كل جملة اسما جمعا مذكرا، وكلها كانت كلمات مألوفة مثل “الطلاب” “والمترجمون” والموظفون” وهكذا. وقد قسمت الجمل إلى مجموعتين متساويتين في العدد: المجموعة الأولى اشتملت على خمس عشرة جملة جميعها كانت تبدأ بالفاعل كما في الجملة في رقم (٥)، والمجموعة الثانية اشتملت على خمس عشرة جملة جميعها كانت تبدأ بالفعل، كما في الجملة رقم (٦).

(٥) أحيانا، الأولاد ___(صورة تبين المُشاهدة)_____التيلفزيون كل مساء.

(٦) ___(صورة تبين تناول الطعام)_____الطلاب في مطعم الجامعة كل يوم.

ففي الجملة رقم (٥)، نتوقع أن يكمل الطلاب الفراغ باستخدام الفعل “يشاهدون”، وذلك لما احتوت عليه الجملة من إشارات؛ فزمن الفعل هو الحاضر (لاحظوا كلمة أحيانا وكلمة كل)، كما أن الفاعل تصدر الجملة أولا، مما يعني بسهولة أن الجملة كانت اسمية. أما في الجملة رقم (٦)، نتوقع أن يكمل الطلاب الفراغ باستخدام الفعل “يأكل” وليس “يأكلون” كما نعلم، فزمن الجملة كما هو الحال في الجملة رقم (٥) هو المضارع ولكن الفعل تصدر الجملة أولا، مما يعني بشكل واضح أن الجملة كانت فعلية.

نتائج الدراسة

أظهرت نتائج الدراسة كما هو مبين في الجدول رقم (١) أنَّ معدل الدقة اللغوية في المطابقة الكاملة في الجملة الاسمية كانت عالية جدا، حيث بلغت ما يقارب من ستة وتسعين بالمائة. في حين كان معدل الدقة اللغوية في المطابقة الجزئية منخفضا نسبيا، حيث كان واحد وأربعين بالمائة فقط. وقد كان هناك فرق واضح ودال إحصائيا بين معدل الدقة في كلا النوعين من المطابقة عند استخدام اختبار تحليل التباين: . F(1, 14), 33.84,  p =.0008 (η2 = 0.72)

جدول رقم (١). التحليل الجماعي:

معدل الدقة في المطابقة الكلية (٪)

معدل الدقة في المطابقة الجزئية (٪)

الاستجابات الصحيحة

الاستجابات الخاطئة

الاستجابات الصحيحة

الاستجابات الخاطئة

٩٦.٦٠

٣.٤٠

٤١.٤٠

٥٨.٦٠

وحتى يتم تحليل النتائج بشكل أدق، قام الباحث بإجراء تحليل فردي لاستجابات المشاركين في المطابقة الجزئية، وقد قسم مستويات الدقة لخمسة مستويات، كما هو مبين في الجدول رقم (٢). وقد كانت النتائج كالتالي:

جدول رقم (٢). التحليل الفردي:

توزيع الطلاب عبر مستويات الدقة المتفاوتة

مستوى الدقة (٪)

٨-١٥

صفر- ٢٤

المستوى الأول

١-١٥

٢٥- ٤٩

المستوى الثاني

٤-١٥

٥٠- ٧٤

المستوى الثالث

صفر-١٥

٧٥-٨٩

المستوى الرابع

٢-١٥

٩٠-١٠٠

المستوى الخامس

وكما يبين الجدول رقم (٢)، فإن نسبة كبيرة من المشاركين نسبيا (تسعة مشاركين) كانت مستويات الدقة لديهم تحت الخمسين بالمائة. ولكن في نفس الوقت يبين الجدول أنَّ هناك فقط طالبين إثنين كانا في المستوى الخامس، وهو المستوى الأعلى في الدقة.

مناقشة النتائج

 من هذه النتيجة، يمكن أن نستخلص أنَّ هناك مشكلة حقيقية في الوصول إلى معدل مقبول من الدقة في المطابقة الجزئية في الجملة الفعلية التي يأتي فيها الفعل أولا، حيث لم يدرك الطلاب أنَّ المطابقة في هذا النوع من الجملة العربية يختلف عن المطابقة في الجملة الاسمية. وهناك بعض النقاط الهامة التي يمكن أن نفهم من خلالها هذه النتيجة:

أولا: يبدو أن الاختلاف الظاهر هنا في المطابقة (الفاعل اسم جمع ولكن الفعل في صيغة المفرد) قد يكون هو السبب الذي أدى للصعوبة هنا. فالتنافر في العدد (mismatch in terms of number) يسير عكس ما هو معروف في العربية من اتساق في المطابقة كما ذكرت آنفا، الأمر الذي أدى لصعوبة بالغة لدى المتعلمين حتى في المرحلة المتقدمة. فالخطأ السائد في استجابات الطلاب في الجملة الفعلية تمثل في إضافة الواو والنون للفعل كما لو أنها جملة اسمية. ومن خلال تجربتي الشخصية في تدريس العربية (وأعتقد أن بعض القراء ربما يشاركونني نفس الرأي) لاحظت أن نسبة كبيرة من الطلاب يتجنبون هذا النمط من المطابقة في الجملة الفعلية في التعبير الشفهي والمكتوب. ربما يعود ذلك لسهولة استخدام الجملة الاسمية التي تتماشى مع نمط تركيب الجملة في اللغة الإنجليزية (فاعل وفعل ومفعول). ربما أدى هذا إلى عدم ملاحظة هذا النمط من المطابقة، لأنهم لا ينتجونه كثيرا.

   ثانيا: رغم أن غياب الدقة في هذا النوع من المطابقة هو النمط الظاهر في الاستجابات، إلا أنَّ هناك تباينا بين طالبين اثنين وباقي أفراد المجموعة. وعندما نظرت إلى هذين الطالبين تبين أنهما من طلاب برنامج الفلاجشب Arabic Flagship Program في البرنامج الذي أُجريت فيه الدراسة. والطلاب في هذا البرنامج الخاص يتعرضون لمواد تعليمية وفرص أكثر لممارسة اللغة من خلال اللقاءات المتكررة مع معلم خاص، يُتاح للطالب في هذه اللقاءات مناقشة الأخطاء في التعبير الشفهي والمكتوب مع تقديم بعض الشروحات السريعة عن بعض قواعد اللغة العربية. قد يكون هذا سببا من الأسباب التي تشرح نمط استجاباتهم.

 ثالثا: ربما يقول البعض أننا لسنا بحاجة إلى تدريس هذا النوع من المطابقة في العربية خاصة في المراحل الأولى من التعلم ما دام هناك تركيب بديل في الجملة الاسمية. رغم تفهمي لهذا الرأي، إلا أنني مع تدريس هذا النمط من المطابقة مبكرا وبطريقة منظمة، وذلك لما للجملة الفعلية من أهمية في قواعد العربية. فكما ذكرت، فهي من التراكيب الأساسية. فتجنب إنتاجها قد ينتج عنه تجنبها تماما مع مرور الوقت حتى في المستوى المتقدم.

رابعا: وماذا عن المواد التعليمية التي درسها الطلاب المتقدمون في هذه الدراسة؟ لقد قمت بتحليل سريع لكيفية تقديم المطابقة الجزئية في الكتاب الذي درس منه الطلاب. ومن ضمن الملاحظات الهامة هنا أن هذا الكتاب لم يتعرض لتدريس المطابقة الجزئية في الجملة الفعلية كثيرا بطريقة صريحة إلا مرة واحدة في الجزء الأول. ولكن كانت هناك مئات الجمل في ثنايا النصوص والتدريبات التي تعرض لها الطلاب بشكل ضمني (ما يقرب من مائتين وثمانين مرة).

التطبيقات التربوية

هناك عدد من التطبيقات التربوية التي يمكن أن نستخلصها من هذه الدراسة، ولن أطيل في سردها:

أولا: لا يجب علينا الاعتماد بشكل أساسي على الكتاب المستخدم في الصف. فلكل كتاب فلسفة ومنهج في العرض. ولا يوجد كتاب مثالي يحقق كل الأهداف في عملية التعلم، ففي حالتنا هذه، أنصح المعلمين بإعداد مواد تعليمية إضافية تتطرق بشكل واضح للمطابقة الجزئية في الجملة الفعلية.

 ثانيا: النتيجة التي ظهرت من تحليل محتوى الكتاب بشأن المطابقة الجزئية في الحقيقة تسترعي الانتباه كثيرا. فهي تعني بشكل واضح أنَّ هذا النمط من المطابقة لا يتعلمه الطلاب بشكل ضمني أو عَرَضي (implicit/incidental)، بل يستوجب تدريسا صريحا (explicit/intentional) نلفت فيه انتباه الطلاب لعدم تطابق الفعل مع الفاعل. هذا ما سأتحدث عنه في النقطة التالية.

ثالثا: يستوجب تدريس المطابقة الجزئية أسلوبا تدريسيا محددا، وهذا ما قمت به في دراسة تالية لهذه الدراسة. حيث صممت أسلوبا تدريسيا يقارن بين أثر الأنشطة التعليمية المنظمة التي تقدم مدخلات لغوية ثرية (rich and structured input-based activities) وأثر الأنشطة التعليمية التي تطلب من المتعلمين في المرحلة الابتدائية إنتاج المطابقة الجزئية (structured-output based activities). وقبل تعرض الطلاب لهذين النوعين من الأنشطة كان هناك تقديم بسيط عن المطابقة الجزئية في الجملة العربية، مكتوب باللغتين: العربية والإنجليزية مع أمثلة واضحة جدا. وقست مدى تحسن الدقة اللغوية في فهم وإنتاج الجمل ذات المطابقة الجزئية قبل وبعد تدريس النموذجين. تبين في الاختبار القبلي أن التنافر في العدد في المطابقة الجزئية يتسبب في فهم خاطئ للجملة (فلو قلنا مثلا “يحب الطلاب الأستاذ” يميل الطلاب إلى فهم الجملة على أنها تقول أن الأستاذ هو من يحب الطلاب وليس العكس). ومن الملفت للنظر أن أداء الطلاب في المجموعتين قد تحسن بشكل ملحوظ فكادت مستويات الدقة أن تتساوى في الاختبار البعدي، ليس فقط في فهم الجمل ذات المطابقة الجزئية بل في إنتاجها أيضا. ربما أسعد في المستقبل بتقديم مقال آخر يتكلم عن هذه الدراسة بكافة تفاصيلها.

قائمة المراجع الإنجليزية والعربية

 .Alhawary, M.T. (2009). Arabic second language acquisition of morpho-syntax. New Haven, CT: Yale University Press

.Alhawary, M. T. (2011). Modern standard Arabic grammar: A learner’s guide. New York: John Wiley & Sons

Ayliff, D. H. (2003). The efficacy of form-focused instruction on the morpho-syntactic accuracy of advanced English second language students (Unpublished doctoral dissertation). Nelson Mandela Metropolitan University, Port Elizabeth, South Africa

Azaz, M. (2018). The Link Between Morpho-Syntactic Accuracy and Textbook Presentation: The Morpho-Syntax of Subject-Verb Agreement in Arabic. Foreign Language Annals (Wiley), 51(4), 831-851. DOI:10.1111/flan.12367. URL: https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/flan.12367

Bahloul, M.,&Harbert, W. (1993). Agreement asymmetries in Arabic. In J. Mead (Ed.), Proceedings of the eleventh west coast conference on formal linguistics (pp. 15–31). Stanford, CA: CSLI Publications

Bolotin, N. (1995). Arabic and parametric VSO agreement. In M. Eid (Ed.), Perspectives on Arabic linguistics 7 (pp. 7–27). Amsterdam: John Benjamins

Brustad, K., Al-Batal, M., & Al-Tonsi, A. (1995). Al-kitaab fii ta’ allum Al-Arabiyya (2nd ed.). Washington, DC: Georgetown University Press

Ellis, R. (2001). Investigating form-focused instruction. Language Learning, 51, 1–46

Ferris, D.,&Hedgcock, J. S. (2014). Teaching L2 composition: Purpose, process and practice (3rd ed.).NewYork: Routledge

Mohammad, M. A. (1990). The problem of subject-verb agreement in Arabic: Towards a solution. In M. Eid (Ed.), Perspectives in Arabic linguistics 1 (pp. 95–125). Amsterdam: John Benjamin

Renou, J. M. (2000). Learner accuracy and learner performance: The quest for a link. Foreign Language Annals, 33, 168–180

Ryding, K. C. (2005). A reference grammar of Modern Standard Arabic. Cambridge, UK: Cambridge University Press

Soltan, U. (2007). On formal feature licensing in minimalism: Aspects of Standard Arabic morpho-syntax (Unpublished doctoral dissertation). University of Maryland, College Park

عبد العزيز، محمد حسن (٢٠٠٢). لغة الصحافة المعاصرة. دار الفكر العربي – القاهرة. الطبعة الأولى.

عن الكاتب

 محمود عزَّاز يعمل أستاذا للدراسات العربية في كلية دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة أريزونا. كما يعمل أستاذا في برنامج الدراسات العليا لاكتساب اللغات الثانية وتدريسها، وفي البرنامج الريادي للغة العربية Arizona Arabic Flagship Program. يركز محمود في أبحاثه على اكتساب وتدريس اللغة العربية كلغة ثانية من منظور ثقافي-اجتماعي ولغوي، كما يهتم بعلم اللغة الاجتماعي ودراسات الترجمة وبإدارة برامج اللغة العربية. يمكنكم التواصل مع الكاتب عبر بريده الإلكتروني وصفحته الشخصية:

البريد الإلكتروني: mazaz@email.arizona.edu

الصفحة الشخصية على شبكة الإنترنت: https://menas.arizona.edu/user/mahmoud-azaz