اكتساب الأصوات العربية في ضوء نموذج تعلم النطق

سبتمبر 28, 2018 0 By aatablog

الكاتب: ظافر لبابيدي

يُعد نطق الأصوات بشكل سليم في اللغة الأجنبية التي يتعلمها الأشخاص بعد المرحلة الحرجة من أول العقبات التي يواجهها متعلمو اللغات الأجنبية أو الثانية  عموماً والعربية على وجه الخصوص. وقد يُولّد عدم ضبط هذه المسألة في وقت مبكر نتائج لا يحمد عقباها على مستوى الأداء والتواصل والمحادثة مع أبناء اللغة الأم. وأجزم بأن ليس هناك من معلم لم يمر بتجربة الكلام مع دارسٍ للعربية قضى زمناً ووقتاً طويلين في تعلمها ولم يستطع مع ذلك التحكم في نظامها الصوتي على مستوى النطق.

 وتختلف درجة الصعوبة في نطق الأصوات الجديدة وتتأثر بشكل عام بعدة عوامل منها وجود أو عدم وجود صوت قريب أو مماثل في اللغة الأم للصوت المراد إنتاجه في اللغة الأجنبية وبـمدى قوة العلاقة أو ضعفها بين النظام الصوتي في اللغة الأم والنظام الصوتي في اللغة الأجنبية. وقد أثبتت عدة دراسات بأن متعلمي اللغات الأجنبية يدركون الأصوات الجديدة في عقولهم تحت تأثير نظامهم الصوتي الأم .منها أبحاث Polivanonv و Trubetzkoy في عامي 1931 و 1939 التي توصلت إلى أن النظام الصوتي الأم لمتعلم أي لغة أجنبية يعمل بمثابة مصفاة تمر من خلالها الأصوات الأجنبية قبل إدراكها أو نطقها. وقد عقّب Lado فيما بعد على ذلك قائلاً بأن عملية التصفية هذه ما هي إلا ناتج قيام المتعلم بعمل مقارنة متناقضة بين الأصوات في النظام الصوتي الأم والنظام الصوتي الأجنبي لفهم الفروقات بينها.

وعلى ضوء ذلك, تم طرح عدة نظريات قدمت نماذج فرضية لتعلم الأصوات الأجنبية بناءً على درجة الإختلاف والتشابه بين النظام الصوتي الأم والنظام الصوتي الأجنبي. ومن أهم النماذج التي تكلمت عن هذا الموضوع نموذج تعلُّم النطق المعروف بـ “Speech Learning Model” للباحث James Flege.

ما هو نموذج تعلم النطق؟

يقدم هذا النموذج تنبؤاً لاكتساب نوعين من الأصوات في اللغة الأجنبية, أولها هو الأصوات المشابهة وثانيها الأصوات الجديدة. والقصد من هذا التقسيم هو التفريق ما بين الأصوات الأجنبية التي تكون مشابهة لأصوات في النظام الصوتي الأم والأصوات الأجنبية التي تكون جديدة على النظام الصوتي الأم. فيَفترِض النموذج أن المتعلم سيتمكن من أن يتعلم الأصوات الأجنبية التي تندرج تحت النوع المشابه بشكل أفضل من الأصوات الأجنبية التي تندرج تحت النوع الجديد فقط في المراحل المبكرة من فترة التعلم. ولكن المتعلم سيكتسب الأصوات التي تندرج تحت النوع الجديد بدقة أكبر متجاوزاً دقة الأصوات المندرجة تحت النوع المشابه مع إستمرار رحلة التعلم. وقد قدم النموذج تفسيراً لظاهرة الإكتساب هذه بناء على التالي: يقوم المتعلم في مراحل إكتساب اللغة المبكرة بالاعتماد على أصوات نظامه الصوتي الأم ويستغلها ليستخدمها في تسهيل اكتساب الأصوات الأجنبية التي تندرج تحت النوع المشابه. فيمكن القول بأن هذه الممارسة هي نتيجة مباشرة لتدخُّل أصوات النظام الأم في عملية الإكتساب. ونتيجة لذلك، لن يكون هناك عملية تعلم حقيقية لهذه الأصوات الأجنبية المشابهة حتى مع مزيد من التعرُّض اللغوي لأن المتعلم بكل بساطة سيميل إلى عدم بذل أي جهد في تعلم ما يظن أنه يعرفه. وعلى الصعيد الآخر، مع إستمرار عملية الاكتساب اللغوي، سيتوجب على المتعلم أن يهتم ويركز في التفاصيل الصوتية ليتمكن من أن يتعلم الأصوات الأجنبية المندرجة تحت النوع الجديد لعدم وجود أي تشابه بينها وبين أي أصوات في نظامه الصوتي الأم. وبناءً على ذلك فإن المتعلم سيتمكن من إكتساب الأصوات الأجنبية الجديدة بشكل أفضل من الأصوات المشابهة مع إستمرار عملية التعلم.

لذلك يمكننا القول بأن هذا النموذج يعتمد على أوجه التشابه والاختلاف الصوتية بين الأصوات الأم والأصوات الأجنبية كمصدر رئيسي لإنشاء فئات صوتية جديدة أو من أجل إكتساب أصوات أجنبية. فيفترض النموذج أنه في حال قدرة المتعلم على اكتشاف الاختلافات بين أصوات نظامه الصوتي الأم والأصوات الأجنبية فإنه سيتمكن من إنشاء فئات صوتية جديدة لهذه الأصوات في عقله. ونتيجة لإنشاء هذه الفئات الصوتية الجديدة للأصوات الأجنبية الجديدة سيتمكن المتعلم من تحييد تدخُّل أصوات نظامه الصوتي الأم التي أشرت إليها سابقاً وسيتمكن من أن يدرك الأصوات الأجنبية وينتجها بطريقة مماثلة لأبناء اللغة الأم.

فلنأخذ على سبيل المثال اللغة العربية والإنكليزية نموذجاً لنسقط عليهما الشرح أعلاه. سنفترض في هذه الحالة أن المتعلم يدرس اللغة العربية كلغة أجنبية وسنفترض أنه يتعلم صوتي التاء والخاء. في هذه الحالة سيقوم المتعلم بـإدراج صوت التاء تحت النوع المشابه لأن عقله سيستغل وجود فئة صوتية لهذا الحرف في نظامه الصوتي الأم. وسيدرج صوت الخاء تحت النوع الجديد لأن عقله لن يجد فئة صوتية في نظامه الصوتي الأم يمكن الاتكال عليها لتسهيل عملية إكتساب هذا الصوت. بناءً على هذه المعطيات ,سيقوم المتعلم ببذل جهد أكبر من أجل التأكد من إكتساب صوت الخاء ولن يبذل أي جهد يذكر من أجل أن يطور اكتسابه لصوت التاء وسيصل مع استمرار تعرضه إلى اللغة العربية إلى مرحلة يكون إكتسابه لصوت الخاء بات يجاري أو أفضل من صوت التاء.

وقد يتساءل البعض كيف للمتعلم أن لا يطور قدرته على إكتساب صوت التاء في حال وجود فئة صوتية مشابهة له في النظام الصوتي الأم أصلاً؟ أنوه هنا إلى أنه حتى وإن تشابهت الأصوات بين اللغات المختلفة فهذا لا يعني وجود توافق كامل فيما بينها على مستوى الخصائص الفزيولوجية الصوتية. وهذا الشيء لا تستطيع الأذن أحياناً أن تميزه ولكننا نراه جلياً واضحاً من خلال دراسة الموجات الصوتية بإستخدام برامج متخصصة على الحاسوب. أضف إلى ذلك أن بعض الأصوات المتشابهة بين اللغات يمكن إنتاجها من خلال طريقة تفعيل مختلفة لأعضاء الكلام في جهاز النطق. فحرف التاء العربي يُنطق عن طريق رفع طرف اللسان للأعلى حتى ينطبق مع منطقة اللثة العليا الواقعة خلف الأسنان العليا ليتم بعدها دفع هواء الزفير بدون ذبذبة الحبال الصوتية مع غلق المخرج الأنفي . وما أن ينفرج اللسان عن موضعه حتى يخرج صوت التاء الإنفجاري .أما صوت التاء في اللغة الإنكليزية فينطق عن طريق وضع رأس اللسان على منطقة اللثة العليا خلف الأسنان العليا مع طبق أطراف اللسان الجانبية على الأسنان الرباعية والأنياب ليتم بعدها دفع هواء الزفير بدون ذبذبة الحبال الصوتية مع غلق المخرج الأنفي ليحدث صوت التاء الانفجاري بعد انفراج اللسان عن موضعه.

كيف يمكننا الاستفادة من نموذج تعلم النطق؟

يمكن الاستفادة من نموذج تعلم النطق على صعيدي الإدراك والنطق مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هاتين الملكتين اللغويتين منفصلتان عن بعضهما على الرغم من وجود عوامل مشتركة بينهما تجعل تطورهما مرتبطاً ببعضهما. فحتى لو كان الطالب مُلماً بكل تفاصيل نطق الصوت الأجنبي على المستوى الإدراكي فقد لا ينجح في إخراجه بشكل مماثل لأبناء اللغة الأم على مستوى النطق لأن عملية إنتاج الأصوات تحتاج إلى ضبط دقيق لحركة أعضاء النطق فيما بينها في جهاز الكلام بينما لا يكون ذلك مطلباً أساسياً على مستوى الإدراك.

لذلك يجب الاهتمام بالنقاط التالية منذ بداية مرحلة التعلم حتى لا تتسع الفجوة بين قدرة الطالب على إدراك الأصوات العربية ونطقها بشكل سليم.

أولاً، يجب على الأستاذ أن يكون ملماً بفيزيولوجيا جهاز النطق البشري بشكل عام حتى يستطيع وصفه وتدريسه بشكل مبسط لمتعلم اللغة العربية. فعلى الطالب أن يدرك بأن جهاز النطق واحد عند جميع الناس بغض النظر عن لغتهم الأم ولا يختلف في أعضائه وتركيبه العضوي وإنما يكون الاختلاف في كيفية تشغيله وتوظيفه ليتمكن من إنتاج الأصوات المطلوبة. ويستطيع الأستاذ أن يستعين برسم توضيحي كالرسم التشريحي أدناه ليُعرِّف الطالب على أعضاء الكلام المسؤولة عن إنتاج الأصوات ووظائفها ضمن جهاز النطق كالرئتين والحجاب الحاجز والحنجرة والحبال الصوتية واللسان وأقسامه…إلخ. وليس بالضرورة أن يعرف الطالب أسماء هؤلاء بالعربية فالهدف الأساسي هو تسليط الضوء على الأعضاء المسؤولة عن إنتاج الأصوات حتى يصبح لدى الطالب تصور لأداء هذه الأعضاء على المستويات الفيزيولوجية والحركية.

 

مثال لصورة تشريحية يمكن استخدامها في شرح أعضاء الكلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانياً، تفعيل أعضاء الكلام من خلال القيام بتمارين حركية من أجل إستهداف عضلات الأعضاء التي لا يفعّلها الطالب عادةً. فعلى سبيل المثال، تبدأ الحصة الدراسية بعمل تمارين التنفس العميق والتثاؤب المفرط لإحماء كافة أعضاء الكلام يتبعها إصدار أصوات غير مرتبطة بأي لغة مؤلفة من مقاطع صوتية بسيطة. في هذه المرحلة أنصح بالبدء بانتاج الصوائت الطويلة والقصيرة على قدر سعة الرئتين للهواء. فمثلا يقوم الاستاذ بإنتاج ألف ممدودة طويلة لمدة عشرة ثواني مع ضم الشفتين بشكل بسيط والفم مفتوح ليتعرف الطالب على قدرة الشفتين على تغيير خصائص الأصوات. ثم يقوم الأستاذ بعمل نفس التمرين مع الواو والياء. وبعد ذلك ينتقل الأستاذ إلى الصوائت القصيرة ويقوم بإنتاجها مع الطلبة بشكل متقطع ومتعاقب تليها مرحلة انتاج مقاطع صوتية من صوتين فقط، صائت قصير مع صائت طويل من نفس الجنس. مثلا الفتحة مع الألف والضمة مع الواو والكسرة مع الياء مع التأكيد على مد الصوائت الطويلة في نهاية كل مقطع صوتي.

وتجب الإشارة هنا إلى أن الهدف الرئيسي ليس بالضرورة التفريق بين الطويل والقصير وإنما تنمية الوعي الصوتي وتفعيل أعضاء الكلام الخاملة أو التي لا تفعّل بشكل كامل. كما تكمن أهمية هذه التمارين في أنها تتيح للطالب استخدام صوته الجهوري بشكل فعال وسأتطرق إلى هذا بشكل مفصل في النقطة الخامسة.

كما يمكن الاستعانة باليد والأصابع لزيادة الوعي الوظيفي من خلال وضعها على أماكن محددة كالرقبة لتحسس الاهتزازات الناتجة عن حركة الحبال الصوتية وتقلص العضلات حول منطقة الحلق وغلق الأنف عند نطق بعض الأصوات. فعند تدريس حرف العين على سبيل المثال، يقوم الأستاذ بشرح بسيط لميكانيكية إنتاج هذا الحرف من خلال وصف التفاعل اللازم بين أعضاء الكلام لإنتاجه ثم يطلب من الطلاب إنتاجه مع قيامهم بتحسس رقابهم لفهم الإشارات الحسية الناتجة عن تقلص العضلات الحلقية. وهنا ينوه الأستاذ إلى ضرورة الاستفادة من المعين البصري الأول الذي يساعد الطالب على إدراك الصوت ألا وهو النظر إلى وجه المتحدث ليتمكن عقله من تفسير الأصوات بناء على حركة أعضاء الكلام. ويمكن للأستاذ القيام بنشاط صفي يساعد الطلاب على تفعيل الخطوات السابقة بطريقة لا تخلو من المرح وجو المنافسة.

يحتاج الأستاذ لهذا النشاط مجموعة من الكلمات المؤلفة من مقطعين صوتيين مثل كلمة بات ومات وتوب وطوب مكتوبة بشكل منفرد على أوراق صغيرة ويقسم الأستاذ الطلاب إلى فريقين أو أكثر بحسب عدد الطلاب في الصف. ثم يتقدم منافسان من نفس الفريق للمشاركة في الجولة الأولى. يأخذ واحد من المنافسين سماعات أذن ويضعها على رأسه ويستمع إلى موسيقى أو أغاني بهدف منعه من سماع أي شيء حوله. ثم يقف الطالب الآخر على بعد عدة أمتار منه ويأخذ ورقة من الأوراق ليقرأها. الهدف هنا هو قدرة الطالب الأصم على تخمين الكلمة التي يقولها الطالب الآخر في مدة لا تتجاوز الدقيقة ونصف. تُحتسب نقطة للفريق في حال نجاح الطالب الأصم في معرفة الكلمة. يفيد هذا النشاط إلى جانب خلق جو لطيف في الصف في تفعيل قدرة الطالب على قراءة الاشارات غير السمعية ليفهم الأصوات المنطوقة مثل حركة الشفاه وفتح الفم وإطالة الفتح في حالة إخراج الصوائت الطويلة. كما أنه يتيح المجال للمتكلم بأن يتجاوز خجله ويرفع صوته بشكل مبالغ حتى يفهم العضو الآخر ما يقول وبهذا نكون قد أجبرنا المتكلم بطريقة غير مباشرة على القراءة الجهرية وتفعيل كامل أعضاء الكلام وهو ما سأشير إليه في النقاط التالية. ومن الطبيعي أن يقوم المتكلم بإعادة الكلمة عدة مرات وأن يقوم بالتركيز على أصوات معينة في الكلمة لاكتشافه أنها أصوات مفتاحية ستمكن الطرف الآخر من فهم ما يقول. ويقوم الأستاذ بتشجيع المتكلم على أن يستخدم يديه للإشارة إلى أعضاء كلام معينة ممكن تساعد الطرف الآخر على تخمين صوت معين كوضع اليد على الرقبة أو القيام بحركة اهتزازات سريعة بالإصبع للدلالة على حركة الحبال الصوتية.

ثالثاً، يقوم الطالب بعمل مقارنة بين الأصوات العربية وأصوات لغته الأم ويناقش كيفية إنتاجها عن طريق شرحه للأعضاء المطلوب تفعيلها لإخراج صوت معين. بعد ذلك يقوم الأستاذ بإختبار مدى إستيعاب الطالب للأداء الوظيفي لأعضاء النطق عن طريق عرض صور حركية GIF تبين قيام أعضاء النطق بالقيام بحركات لازمة لإنتاج صوت ما وعلى الطالب أن يخمن ما هو هذا الصوت بناءً على حركات وتفاعل أعضاء النطق كما هو مبين أدناه في الصورة الحركية التي تمثل صوت الفاء.

 

مثال عن صورة حركية GIF تبين كيفية نطق صوت الفاء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وفي حال عدم توفر مثل هذه الصور يمكن للأستاذ أن يقدم وصفاً لحركات أعضاء النطق وعلى الطالب أن يخمن ما هو ذلك الصوت. كأن يقول الأستاذ مثلاً، لإنتاج هذا الصوت يجب أن نفتح الفم بإنزال الحنك السفلي ونضع اللسان في وضعية الإرتخاء التام وأن نسمح لهواء الزفير بالعبور إلى خارج الفم مع القيام بإصدار اهتزازات في الحبال الصوتية. وعلى الطالب هنا معرفة أن هذه هي حركات أعضاء النطق اللازمة لإنتاج صوت الألف.

رابعاً، يقوم الطالب بالاستماع إلى تسجيلات قام الأستاذ بعملها لمقاطع صوتية تحتوي على الأصوات العربية وعليه إختيار الجواب الصحيح من عدة أجوبة. وهنا يمكن للأستاذ أن يعطي خيارات متشابهة حتى يتمكن الطالب من رسم حدود للفئات الصوتية في عقله وأن لا تتداخل هذه الحدود مع بعضها خاصة مع الأصوات التي تتشابه عليه مثل السين والصاد والدال والضاد…إلخ.

خامساً، يؤكد الأستاذ على أهمية القراءة الجهرية لأنها تفسح المجال أمام الطالب لضبط حركة أعضاء النطق بطريقة مماثلة لأبناء اللغة الأم وتمرينها بشكل عملي  وبذلك ستمكنه من السيطرة على مخارجها ونطقها بشكل سليم. فمعرفة الطالب بكيفية نطق الحروف دون التمرن عليها كمعرفة الشخص بطريقة قيادة السيارة دون الجلوس وراء المقود وتجربة القيادة. ولا بد من الإشارة هنا إلى أهمية التركيز على رفع الصوت في القراءة الجهرية. فكثير من الدارسين يميلون إلى عدم رفع أصواتهم خجلا من مدرسهم أو من زملائهم أو لعدم ثقتهم بنفسهم. كما ان أصل الطالب قد يكون عاملا مؤثرا أيضا. فثقافة الطلاب الآسيويين تحتم عليهم عدم رفع صوتهم في حضرة أساتذتهم أما الطلاب الأمريكيون فيميلون بشكل عام إلى الكلام بحرية بدون وجود عوائق ثقافية تمنعهم من رفع أصواتهم. وتكمن أهمية القراءة الجهرية ورفع الصوت في أنها تتيح للطالب بأن يستخدم الحد الأقصى لأعضاء الكلام لإنتاج الأصوات مع التأكيد على إخراجها من أماكنها الصحيحة مصحوبة بالطول المناسب للصوائت المرفقة بها. ويمكن للأستاذ أن يبين الفرق بين انتاج تاء بصوت خافت وصوت مرتفع. فعلى الرغم من تشابه الصوتين إلا أن الأولى تتطلب الحد الحركي الأدنى من أعضاء الكلام لإنتاجها وأما الثانية فتتفعّل بها كل أعضاء الكلام المطلوبة لإخراجها.

سادساً وأخيراً، تعزيز ثقة الطالب بنفسه وعدم إشعاره بأي نقص أو تقصير عن طريق إفساح المجال أمامه لتصحيح أخطائه الناتجة عن النطق تلقائياً. فكما أشرت إليه سابقاً، سيصل الطالب إلى مرحلة يكون فيها عارفاً لكيفية نطق الأصوات ومدركاَ لها تماماً حين يستمع إليها لكن خصائص جهاز النطق الخاص به وتداخل الخصائص الصوتية لبعض الأصوات في جهازه الصوتي الأم ستظهر من وقت لآخر في حديثه.

كل هذه الخطوات ستساعد عقل الطالب على إدراج أصوات اللغة العربية تحت النوع المناسب بناءً على نموذج تعلم الكلام  وهذا سيدعم إنتاج فئات صوتية جديدة لهذه الأصوات وتُعين الطالب على تسخير نظامه الصوتي الأم لخدمة غرض تعلمه اللغة الأجنبية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس من الضروري أن يتحول تركيز الصف كله إلى هذه المسائل. فاللغة تدرس بكافة عناصرها وكلها مرتبط ببعضه ارتباطا وثيقا. لكن في المراحل الأولى لتعلم النطق لا ضير من ان يخصص الأستاذ 15 دقيقة لعمل التمارين التي تكلمت عنها سابقا والقيام ببعض التمارين الميكانيكية كالإملاء وقراءة الثنائيات للتمييز بين الحروف المتشابهة مثل كلمتي تاب وطاب. كما أن النموذج سيعطي الأستاذ تصوراً مسبقاً للعوائق التي يمكن أن تعترض الطالب على مستوى نطق وإدراك الأصوات من خلال إلمامه بـخصائص النظام الصوتي للغة العربية ولغة الطالب الأم.

واخيرا أريد أن أشير إلى أهمية مواصلة اكتساب النظام الصوتي في المنزل وخارج الصف وعدم الاتكال على التدريبات الصفية فقط. وهنا تكمن أهمية تطويع التكنولوجيا لخدمة هذا الغرض وإفادة الطلاب. فعلى سبيل المثال لا الحصر يمكن للأستاذ ان يقوم بالتالي:

  1. تسجيل أصوات عربية في عدة مقاطع صوتية وعلى الطالب أن يختار الكتابة الصحيحة التي توافق ما سمعه.

  2. الطلب من الطالب أن يسجل بصوته قراءته لمقاطع صوتية معينة.

  3. الطلب من الطالب أن يسجل ثنائيات صوتية تحتوي على حروف متشابهة للتمييز بينها.

  4. الربط بين النظام الكتابي والصوتي من خلال الطلب من الطالب أن يكتب مقاطع صوتية مسجلة.

  5. الاستماع إلى مقطعين صوتيين وتخمين ما اذا كان مختلفين أو متشابهين. وهذا التدريب مفيد في تسريع عملية الفصل بين الفئات الصوتية في عقل الطالب وخاصة ما بين الأصوات المتشابهة. فمثلا يسجل الأستاذ المقطع الصوتي (تا) ويقوم بعمل ملف صوتي يحتوي على هذا المقطع مرتين مع فاصل زمني يقدر بحوالي نصف ثانية. ثم يطلب من الطالب تخمين ما إذا كان المقطعان متشابهين أو مختلفين (متشابهين في هذه الحالة). وفي مرة اخرى يقدم المقطع (تا) متبوعا بالمقطع (طا) وهنا على الطالب تخمين أن المقطعين مختلفين وهكذا.

أرجو أنني وُفقت من خلال هذه المقالة في تغيير الانطباع السائد عن النظام الصوتي بشكل عام وأن تجدوا التطبيقات مفيدة في صفوفكم ومع طلابكم. إذا كان لديكم أية أسئلة أو تعليقات أو اقتراحات لتطبيقات عملية أخرى، من فضلكم اكتبوها تحت في قسم التعليقات لنستمر في مناقشة الموضوع.

 

المصادر والقراءات المفيدة

Eckman, F. (1987). Markedness and the contrastive analysis hypothesis. In I. Georgette & S. Weinberger (Eds.), Interlanguage phonology: The acquisition of a second language sound system (pp. 55-69). Cambridge, MA: Newbury House

Flege, J. E. (1987). The production of “new” and “similar” phones in a foreign language: evidence for the effect of equivalence classification. Journal of Phonetics, 15, 47-65

Flege, J. E. (1995). Second-language Speech Learning: Theory, Findings, and Problems. In W. Strange (Ed.), Speech Perception and Linguistic Experience: Issues in Cross-language research (pp. 229-273). Timonium, MD: York Press

Lababidi, Z., & Park, H. (2017). Perceptual mapping between Arabic and English consonants. In Perspectives on Arabic Linguistics XXIX: Papers from the Annual Symposium on Arabic Linguistics, Milwaukee, Wisconsin, 2015 (Vol. 5, p. 89). John Benjamins Publishing Company

Lado, R. (1957). Linguistics across cultures: Applied linguistics for language teachers. Ann Arbor, MI: University of Michigan Press

Polivanov, E. (1931). La perception des sons d’une langue´etrang`ere (The perception of non-native language sounds.). Travaux du Cercle Linguistique de Prague, 4, 79-96

Trubetzkoy, N. (1939). Principles of phonology (C. A. Baltaxe, Trans.). Berkeley, CA: University of California Press

 

عن الكاتب

د. ظافر لبابيدي أستاذ اللغة العربية في جامعة ولاية فلوريدا. يمكن التواصل معه على عنوانه على البريد الإلكتروني: zafer.lababidi@fulbrightmail.org